فخر الدين الرازي
57
تفسير الرازي
القدرة التامة والعلم التام ، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام ، ولما كان العلم بكونه تعالى قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً ، لا جرم ذكر أولاً دلائل القدرة وثانياً دلائل العلم . * ( الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ) * . أما دليل القدرة فهو قوله : * ( الذي خلق سبع سماوات طباقاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر صاحب " الكشاف " في * ( طباقاً ) * ثلاثة أوجه أولها : طباقاً أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقاً على طبق ، وهذا وصف بالمصدر وثانيها : أن يكون التقدير ذات طباق وثالثها : أن يكون التقدير طوبقت طباقاً . المسألة الثانية : دلالة هذه السماوات على القدرة من وجوه أحدها : من حيث إنها بقيت في جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة وثانيها : من حيث إن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص وثالثها : أنه اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معينة ورابعها : كونها في ذواتها محدثة وكل ذلك يدل على استنادها إلى قادر تام القدرة . وأما دليل العلم فهو قوله : * ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي * ( من تفوت ) * والباقون * ( من تفاوت ) * ، قال الفراء : وهما بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر ، وتعهد وتعاهد ، وقال الأخفش : * ( تفاوت ) * أجود لأنهم يقولون : تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون : تفوت ، واختار أبو عبيدة : * ( تفوت ) * ، وقال : يقال تفوت الشيء إذا فات ، واحتج بما روي في الحديث أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله . المسألة الثانية : حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضه ولا يلائمه ومنه قولهم : ( تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب ) ، وأما ألفاظ المفسرين فقال السدي : من تفاوت أي من اختلاف عيب ، يقول الناظر : لو كان كذا كان أحسن ، وقال آخرون : التفاوت الفطور بدليل قوله بعد ذلك : * ( فارجع البصر هل ترى من فطور ) * نظيره قوله : * ( وما لها من فروج ) * ( ق : 6 ) قال القفال : ويحتمل أن يكون المعنى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في الدلالة على حكمة صانعها وأنه لم يخلقها عبثاً . المسألة الثالثة : الخطاب في قوله : * ( ما ترى ) * إما للرسول أو لكل مخاطب وكذا القول في